وداعًا ابن باز

توفيق بن عبدالعزيز السديري
وكيل وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف
والدعوة والإرشاد المساعد
 
إن من أصعب اللحظات على الإنسان أن ينعى إليه شخص عزيز عليه، أثير على نفسه، وكيف إذا ما اجتمع مع ذلك أن تكون محبة هذا الشخص وتقديره مكان إجماع السواد الأعظم من الناس.
لقد كان لنبأ وفاة سماحة والدنا وشيخنا العالم الزاهد العلامة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز وقع كبير على نفسي، وأنا من هول الصدمة لا أكاد أصدق ما سمعت، وأخذ شريط الذكريات يستعرض ما أختزنه عن هذا الرجل العظيم لقد عرفت سماحة الشيخ منذ الصغر حيث عرفته من خلال جدي - رحمه الله - ووالدي - حفظه الله - وبعض أقاربي، حيث كانت تربطه بجدي وبعض أقاربي علاقة معرفة وصداقة، ولازلت أذكر بعض المواقف التي جمعتني بسماحته، هذه المواقف التي تؤكد على ريادة هذا الرجل وعلمه وفضله وزهده وإنسانيته.
وأذكر ذات مساء - وكنت ابن ستة عشر عامًا تقريبًا - وكنا في مناسبة اجتماعية فاستأذنت من الشيخ وقرأت بين يديه حديث بدأ الإسلام غريبًا، وذكرت بعض ما يدل عليه هذا الحديث، وربطته بالواقع المعاصر للمسلمين، فسر الشيخ كثيرًا بالرغم من حداثة سني، وتقبل بصدر رحب ما قلت، وعلق عليه تعليقًا لطيفًا مفيدًا، ولم يستنكف وهو العالم الكبير أن يلقي بين يديه فتى غر ليس له من التجربة والعلم ما يؤهله لحضور مجلس الشيخ فضلًا عن الكلام بين يديه، بل إنه - رحمه الله- اغتبط بذلك، ودعا لي، وحثني على المواصلة في طلب العلم.
وكم من المواقف التي رأيتها أثناء حضوري لدروس سماحته ومحاضراته سواءً في الجامع الكبير في الرياض أو في غيره مع طلبة العلم وغيرهم وتحمله - رحمه الله - الكثير من العنت والأذى في سبيل ذلك، وهو لا ينفك عن النصح والتوجيه والملاطفة والدعاء بالصلاح والهداية.
إن الشيخ ابن باز علم من أعلام هذا القرن ومن مجدديه لقد سلك - رحمه الله - نهجًا علميًا مؤسسًا على النهج الأصيل للدعوة السلفية المباركة التي أحياها الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وإن أثر الشيخ ابن باز - رحمه الله - في نشر هذه الدعوة في أصقاع الأرض أثر كبير، حتى أنك لا تصل إلى بلد من بلاد الدنيا إلا وتسمع ذكر الشيخ وعلمه وفضله..
وان لمدرسة الشيخ أثرا كبيرا في نشر السنة والاهتمام بحديث رسول الله ﷺ ولقد تأثر طلبة العلم المعاصرون والجامعات الإسلامية بنهج الشيخ ومدرسته في الاهتمام بتحقيق الآراء والفتاوى واعتمادها على السنة الصحيحة المأثورة من رسول الله ﷺ.
كما أن للشيخ فضلًا كبيرًا في صد كثير من الفتن التي عصفت بهذه الأمة خلال حياته - رحمه الله، كما كان له يد طولى في توجيه شباب المسلمين الوجهة الشرعية السليمة والنأي بهم عن مزالق الغلو وانحراف الجماعات والأحزاب والفرق الضالة.
وقد كان دؤوبًا على النهج والتوجيه وبيان المنهج الحق بكل ما أوتي من قوة وبكل ما استطاع من وسيلة، وإذا نظرت إلى وقته - رحمه الله - وكيف أن الله سبحانه بارك فيه فإنك ترى العجب العجاب، حيث يصرف وقته كله في سبيل الله: كتابة، وقراءة، وسماعًا، وإجابة سائل في الطريق وفي المسجد وفي السيارة وعلى الهاتف في مكتبه ومنزله وفي جميع الأوقات.
ان الحديث عن الشيخ وفضله لا يمكن أن يستوفى في مقال أو حتى في كتاب؛ فالشيخ - رحمه الله - ظاهرة فريدة تستحق المزيد والعديد من الدراسات والبحوث، ولكنها كلمة حرى خرجت من قلب مكلوم بهذا المصاب الجلل والخطب الفادح، وإلا فالحديث عن علم الشيخ وزهده وورعه وثباته في المحن والقبول الذي أعطاه الله له في الأرض وما واجهه من كيد أعداء الإسلام الذي لم يزده إلا ثباتًا وقوة وصبرًا ومصابرة ومرابطة وجهادًا في سبيل الله؛ إن الحديث عن ذلك كله يحتاج إلى وقت كبير، وحسبي في هذه العجالة أن أشرت إلى جانب من ذلك.
رحم الله الشيخ، وأسكنه فسيح جناته، وأمطر عليه شآبيب رحمته، وجزاه عما قدمه للإسلام والمسلمين خير الجزاء، وخلف الأمة من بعده بالعلماء الصالحين المسلمين.
ونحن إذ نعزي أنفسنا في سماحة والدنا نقدم العزاء إلى إمام المسلمين خادم الحرمين الشريفين، وولي عهده الأمين، وسمو النائب الثاني، وإلى أسرة الشيخ المكلومة، وإلى الأمة الإسلامية كافة..
وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء إنا لله وإنا إليه راجعون. [1]
 
  1. جريدة الجزيرة، الجمعة 28 محرم 1420هـ.