للبيئةٍ المحيطة بالإنسان أثرٌ كبيرٌ في شخصيتهِ وتكوينهِ، كما أنه بدورهِ يؤثرُ في المحيطينَ بهِ، وفي هذه الصفحاتِ شذراتٌ مشوّقةٌ من نشأةِ الشيخِ وحياتِه العائليةِ رحمه الله.
صفاته وأخلاقه
ما بينَ تواضعٍ وحلمٍ، وجودٍ وزهدٍ، ونشرٍ للخيرِ والعلمِ، وأيادٍ بيضاء في ميادين الخيرِ، تستعرضُ الصفحاتُ الآتية صورًا من معالمِ القدوةِ الربانيةِ في شمائلِ الشيخِ ومناقبِه.
حياته العلمية
لا يكادُ يُعرفُ في عصرِ الشيخِ العلّامةِ مَنْ يماثِلُه في بذلِ العلمِ وكثرةِ الطلاب وغزارةِ المجالسِ في شتى الفنونِ. فيما يلي لمحاتٌ من مسيرتِه الفذةِ وتأثيرِه العظيم على مرِّ عقودٍ من الزمان.
حياته العملية
لقد شرُفَت بالشيخ العلامةِ مناصبٌ كثيرةٌ؛ كان فيها مضربَ المَثلِ في الهمةِ والنشاطِ ونفعِ الناس والأمة، وفي هذه الصفحات طرفٌ مما بذلَه وقدمَه من إنجازاتٍ عمليةٍ وخيريةٍ هائلةٍ.
مواقفه
عبر مسيرتِه العظيمةِ ومواقفِه النادرة.. تلتقطُ الصفحاتُ التالية روائعَ من مواقف الشيخِ الرائدة في شتى الشؤون والمجالات؛ عقدية وسياسية واجتماعية واقتصادية، وغيرها.
مسيرته الدعوية
في مسيرتِه الدعوية اجتمعتْ في الشيخِ العلامةِ صفاتٌ يعزُ اجتماعُها في شخصٍ واحدٍ؛ من سلامةِ المنهجِ والهمةِ العاليةِ واجتماعِ القلوبِ تنهل من معينه الثريِ. ففي هذه الصفحاتِ قطوفٌ من ألوفٍ.
قالوا عنه
أسفرَ اجتماعُ القلوبِ على محبةِ الشيخ عن أقوالٍ كأطايب الثمار، نثرًا وشعرًا، تصفُ شمائلَه وآثاره، من محبيِه وذويهِ ومعاصرِيه، لا تقع تحتَ حصرٍ، وفي هذه الصفحات غيضٌ من فيضِها.
مؤلفات عن الشيخ
ما بين رسائل علمية أكاديمية ومؤلفات متنوعة.. شَرُفت آلات المطابع بإخراج الكثير من المؤلفات، حول آثار الشيخ العلاّمة الدعوية والفكرية والتربوية؛ تبرز مسيرة العطاء الفذة!
قالوا عنه
قال فضيلة الشيخ سعود الشريم - إمام الحرم المكي:
"لا شك أنها مصيبة ألمت بالأمة الإسلامية والعربية بوفاة الشيخ - رحمه الله تعالى - فلا شك أنه إمام عصره، وبقية السلف - رحمهم الله - ولا شك أنه بموته يحدث فراغ كبير، والله ألطف بعباده.
أسأل الله أن يغفر له، وأن يُسكنه فسيح جناته، وأن يُلهم الأمة الإسلامية الصبر والسلوان". [1]
سيرة وحياة الشيخ ابن باز، لإبراهيم الحازمي (487/1)، رثاء الأنام لفقيد الإسلام، لإبراهيم المحمود (94).
قال الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة المقاومة الإسلامية حماس - رحمه الله:
"إن العلامة ابن باز - رحمه الله - هو فقيد العالم الإسلامي كافة، له مواقفه الجهادية في ميادين العلم والدعوة الإسلامية الحقة، والوقوف موقف المدافع القوي عن الإسلام والمسلمين في كافة المواقع التي شغلها، حيث سخرها لخدمة الإسلام والعقيدة الإسلامية، وبهذا الصدد له موقف ثابت في الحفاظ على الكتاب والسنة والدفاع عن العقيدة الإسلامية لتبقى نقية أصيلة بعيدة عن محاولات التشويه.
كان لقائي معه في موسم الحج من العام المنصرم 1419هـ/ 1998م في أرض الحجاز، حيث كان - رحمه الله - ترحيبه بنا حارًّا، وحديثنا معه مشرقًا، حيث تحدثنا في أمور كثيرة، وكان محور حديثه متوجه حول الحفاظ على وحدة الشعب الفلسطيني والوحدة الوطنية، وتفويت الفرصة على المتربصين لوحدة شعبنا الفلسطيني والمتآمرين على قضيته، محذرًا من التفسخ والانقسام، مذكرًا بالهدف الواحد القائم على أساس إعلاء كلمة الحق وكلمة الدين.
وقد كان اعتبر أن أرض فلسطين أرض وقف إسلامي، ولا يجوز بأي حال من الأحوال التنازل عنها، أو التفريط بها، وكان - رحمه الله - دائم الدعوة لمسلمي العالم أجمع للجهاد في سبيل الله لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي ومحاربة الصهيونية أينما حلَّت ووجدت".[1]
مجلة الشقائق، عدد (21)، بواسطة: سيرة وحياة الشيخ ابن باز، لإبراهيم الحازمي (519/2-520)، رثاء الأنام لفقيد الإسلام، لإبراهيم المحمود (45،44).
قال الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ:
"إن فقدان ورحيل سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز مصاب جلل، وعظيم ألم بالأمة الإسلامية عامَّة وهذه الديار خاصَّة؛ لما لسماحته - رحمه الله، ورفع درجته - من مكانةٍ في قلوب الجميع، سواء ولاة أمرنا الذين يكنون له كل تقدير واحترام وعرفان؛ لجهاده وفضله، أو للعلماء وطلبة العلم الذين تتلمذوا على يده، أو عامة الناس الذين لا يخلو مجلسه منهم صباحًا ومساءً، سواء من داخل المملكة أو خارجها.
وإن الألم بفقدان سماحته لا يختص بفئة معينة، بل أصيب به الجميع على اختلاف طبقاتهم، ولا نحصي من اتصل وهو يبكي ويحتسب ويسأل الله أن يعوض الأمة فيه خير خلف.
ولا ننسى أن هذا العالم الجليل ذا المقام الصدق عاش مع الناس فترات طويلة بلباسهم ولغتهم، ولكن قلبه وروحه شابهت المثقفين الأوائل، فعاش عيشة روحانية كالتي نقرأها في سيرة الأخيار والأبرار، كما أنه تميز بقوة تمثيله لمنهج السلف الصالح في الدعوة والعلم ورعاية المصالح ودرء المفاسد.
إضافة إلى مواقفه الواضحة والداعية والناصحة في الولاية الشرعية منذ عهد الملك عبدالعزيز حتى عهد خادم الحرمين الشريفين، وآخرها موقفه في أزمة الخليج، وهذا هو الواجب على العلماء والدعاة، وأن تكون رعايتهم للصالح العام وائتلاف الناس وعدم الفرقة بين الناس وولايتهم.
وكذلك كان سماحة الفقيد في حياته مع نصحه للراعي بالطريقة الشرعية، ويجمع الجميع أن الفقيد الراحل مصاب جلل، ومن أعظم ما أصاب ولاة الأمر والناس أجمعين.
وإن الجميع صغارًا وكبارًا تأثروا بعلمه وشفاعته وحسناته وفقده، لا يختص ببلدٍ دون الآخر، وأسأل المولى أن يرفع درجة سماحته، ويجزيه خير الجزاء لقاء ما بذل طوال عمره، وأن يُبارك في عقبه، ويتغمده بواسع رحمته، ويُسكنه فسيح جناته، ويُلهم أهله وذويه وأمته الصبر والسّلوان". [1]
مجلة الدعوة، عدد (9725)، بواسطة: إمام العصر، لناصر الزهراني (160-162)، سيرة وحياة الشيخ ابن باز، لإبراهيم الحازمي (466،465/1).
قال الدكتور أسامة بن عبدالله خياط - إمام وخطيب المسجد الحرام:
"فجعت الأمة الإسلامية قاطبةً بوفاة سماحة العلامة الجليل الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز المفتي العام للمملكة العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء فيها.
وإن القلم ليعجز عن إعطاء هذا الحدث الجلل حقَّه من الحديث، فقد خسرت الأمة علمًا من أكابر أعلام الإسلام، وإمامًا من أعظم أئمة الدعوة والإصلاح، وفقيهًا من أعظم فقهاء الملة، وداعيةً من أكثر الدعاة أثرًا.
لقد وُضِعَ له القبول في علمه ودعوته، فترى ما يُفتي به قد سار مسيرة الشمس، ووجد له من الأثر البارز والاستجابة القوية ما يشهد به كل منصفٍ، ويقرّ به كل عاقل، ولا ريب أنَّ مرد ذلك هو كمال الإخلاص لله تعالى، وتمام الإقبال عليه.
ولا ريب أيضًا أن مبعث ذلك هو تلك الخصال الحميدة والخلال الجليلة التي طُبع عليها الفقيد - رحمه الله - والتي من أظهرها ما امتاز به من سلامة الصدر، ولين الجانب، وحُسن الخلق مع الناس أجمعين، بمن في ذلك مَن خالفه منهم، أو نازعه في بعض القضايا الأصولية أو الفرعية.
وقد أكثر الكاتبون والمتحدثون في الحديث عن هذه السجية الجميلة (سلامة الصدر) حتى لا يجد من يكتب عن سماحته ما يُضيفه.
ومما امتاز به - رحمه الله - أيضًا: اهتمامه الشامل بأحوال الأمة الإسلامية في شتى أصقاع الأرض، وتألمه البالغ لكل نازلةٍ تنزل بها، ومسارعته إلى الدعوة إلى المعونة والإغاثة والمساندة في رسائل وفتاوى وكلمات عامرة بالصدق والصراحة، حافلة بالحث على البذل واستنهاض الهمم، وكل أولئك مما يعظم به رصيده من الحب في قلوب المسلمين.
وكم لسماحته - رحمه الله - من آثار، وكم له من مزايا يعجز القلم عن إيفائها حقّها من البيان، فرحمه الله رحمةً واسعةً، وجبر الأمة في مصابها، وأحسن عزاء الجميع فيه، وألهمهم تمام الصبر وحسن السلوان، ووفقهم إلى المضي على دربه ومتابعة السير على نهجه". [1]
جريدة المدينة، عدد (13174)، بواسطة: رثاء الأنام لفقيد الإسلام، لإبراهيم المحمود (99،98).
قال الداعية الكويتي الشيخ أحمد القطان:
"إننا تعلمنا من ابن باز العلم الشرعي، وسعة الصدر في فهم مشاكل المسلمين، وسلامة الصدر تجاه المسلمين ..
إن كل مسلم على وجه الأرض يُحب سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز". [1]
وعبَّر عن عميق حزنه لوفاة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز المفتي العام للمملكة العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء، وإدارة البحوث العلمية والإفتاء، ورئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي.
وتحدث الشيخ القطان عن مآثر الشيخ ومواقفه وسجاياه في خطبة الجمعة، وعقب صلاة الجمعة أدى المصلون صلاة الغائب على الشيخ ابن باز، وقال الشيخ القطان: "قال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات [المجادلة:11]، إن هذه الآية الكريمة تدل بوضوح على سماحة الشيخ الراحل عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - حيث كان طفلًا صغيرًا وُلد في عام 1330هـ في الرياض، وبدأ يحفظ القرآن، فقبل أن يبلغ الحلم كان قد حفظ القرآن كله".
وأضاف الشيخ القطان: "بدأت درجاته ترتفع، وأُصيب - رحمه الله - في عينيه عام 1346هـ، لكن القرآن والعلم الشرعي جعل له بصيرةً يرى من خلالها الحكمة، حتى أصبح سماحة الشيخ علمًا من أعلام المسلمين، ومن المجددين لهذا الدين، وارتقى في درجات الدنيا إلى أعلى المراتب، ونرجو أن يجعله الله في الآخرة في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا".
وقال: "قمتُ بزيارته في حياته عدة مرات، فرأيت من أمره عجبًا، إنه يذكرني بالسلف الصالح من الصحابة والتابعين، رأيته يعمل 18 ساعة في اليوم في سبيل الله دون كلل أو ملل، فمنذ صلاة الفجر يجلس للناس ويحدثهم إلى الشروق، وبعد صلاة الشروق يأكل معهم طعام الإفطار، وعامتهم من طلبة العلم، ويظل سائر يومه يستقبل الناس من كل الأجناس، ومن كل البلاد، وعامة جلسائه ساعة غدائه من الفقراء والمساكين".
وأضاف: "أُخبرتُ أنه لم يتغدَّ مع أهله منذ 50 عامًا، فقد آثر أن يعيش مسكينًا مع المساكين، قريبًا من شكواهم، متحمسًا لحاجاتهم، شافعًا في قضائها.
ولا تستغرب أن تشاهد معه على بساط التواضع الأمير الملكي بجوار الفقير، فالناس عنده سواء، وآخر ما يفكر بمصلحة نفسه.
زرته يومًا وهو مريض في رجله، والطبيب واقف على رأسه ساعة يستأذنه كل حين في علاجه، لكن حاجات الناس وأسئلتهم جعلت الطبيب ينتظر طويلًا إلى أن ودّعناه والطبيب لم يُعالجه".
وقال: "صار قاضيًا، فكان من قضاة الجنة بشهادة مَن احتكموا إليه، ورئيسًا للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، فكانت في قمة ازدهارها، فبركات الله التي أودعها فيه كانت واضحةً على طلبة العلم، وصار رئيسًا للإفتاء فطارت فتواه في مشارق الأرض ومغاربها، وكان أعظمها جواز استخدام القوات الأجنبية في تحرير الكويت من العدو المحتل، وخاصةً أن العدو بدأ يحتل مدينة الخفجي، ويعرض الحرمين الشريفين إلى الخطر الكبير، فكانت فتوى الشيخ المأخوذة من كتاب الله وسنة رسوله حلًّا لجميع التنازعات في هذه القضية الخطيرة، فصار له علينا أهل الكويت خاصة والأمة الإسلامية عامَّة فضل عظيم، يحتم علينا أن ندعو له ونستغفر له، ونسأل الله له الرحمة". [2]
سيرة وحياة الشيخ ابن باز، لإبراهيم الحازمي (377/1).
جريدة الشرق الأوسط، عدد (7475)، بواسطة: رثاء الأنام لفقيد الإسلام، لإبراهيم المحمود (89-92).
قال الدكتور محمود بن محمد سفر - وزير الحج السابق:
"قليلون هم الرجال الذين تتذكرهم الأمة، ويكتب عنهم التاريخ، وتبقى ذكراهم على كل لسان، وصفاتهم محل تقدير واعتبار، وتكون الذكرى ويكون التقدير بحجم العطاء في مختلف دروب الحياة خدمةً للأمة، لا فرق في ذلك بين عطاء وعطاء، ولا تباين بين جهادٍ وجهادٍ.
وتكون الذكرى أعمق والتقدير أرسخ عندما يكون الرجل عالمًا يسعى بنور الله بين الناس، ينشر العلم والكلم الطيب والدعوة إلى الله.
وتكون الذكرى أكثر تثبيتًا والتقدير أكثر ترسيخًا عندما يجمع الرجلُ العالم مع علمه وفقهه: الورع، والتواضع، والزهد، والإخلاص.
والرجل الشيخ العالم المجاهد عبدالعزيز بن باز - رحمه الله رحمةً واسعةً - كان من أولئك الرجال العاملين الذين وهبوا أنفسهم وأوقاتهم لتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله.
زرتُه في بيته في الطائف عقب صدور أمر تعييني وزيرًا للحج، وسألته أن يُوصيني، فكان الكلام ينطلق من قلبه بصدقٍ، ويجري على لسانه بعفويةٍ، فوقعت في قلبي وصاياه بردًا وسلامًا، وحفظت ذاكرتي نصائحه بارتياحٍ وامتنان.
ومسيرة جهاد الشيخ ستكون محلَّ دراسةٍ وبحثٍ من جميع المهتمين بسير العلماء وتراجم الرجال الصالحين، فقد كان الشيخ طوال مسيرة حياته واضحًا في كل ما قال، ومخلصًا في كل ما فعل، ومحتسبًا في كل ما بذل من نفسه وصحته.
لقد أجمع الناس على محبته، وإن اختلفوا حول أسباب تلك المحبة الغامرة له، فمنهم مَن أحبه لورعه وتقواه، ومنهم مَن أحبه لتواضعه وزهده، ومنهم مَن أحبه لعلمه وفقهه، ومنهم مَن أحبه من أجل كل تلك الصفات، لكنهم أجمعوا جميعهم على محبته.
وإن اختلف الناس على أسباب محبة الشيخ عبدالعزيز بن باز فإنهم كانوا جميعًا صادقين في محبته، فقد كان للشيخ - رحمه الله - العديد من الصفات الحسنة، والأخلاق الكريمة، بجانب غزارة علمه وفقهه، فهو ورع، وتقي، ومتواضع، وعالم، وفقيه، وزاهد، وذكي.
لقد لقي الشيخُ ابن باز ربَّه وقد أجمع الناس على محبته، فقد كان نموذجًا للعالم المتمكن من علمه، الواثق من دينه، المدافع عن عقيدته، الداعي إلى ربه بالموعظة الحسنة والحكمة السديدة، البسيط المتواضع في مظهره، الواثق المتمكن في مخبره.
أما أنا فكنتُ أحب الشيخ - رحمه الله - بكل صفاته، ولكن الذي حبَّبني فيه أكثر صفتان متلازمتان فيه رزقهما الله له، هما تواضعه تواضع العلماء، وزهده في مباهج الدنيا وزخرفها، فكان بهاتين الصّفتين نموذجًا للعالم المسلم القدوة.
لقد ظلَّ طوال حياته - رحمه الله - داعيًا إلى الله على بصيرةٍ، وهاديًا للناس بالحق، وساعيًا بين الناس بالخير، وناصحًا للناس بالصدق، وحاثًّا للناس على البر". [1]
جريدة المدينة، عدد (13178)، بواسطة: رثاء الأنام لفقيد الإسلام، لإبراهيم المحمود (57-59).
يصف الشيخ عبدالمجيد الزنداني - رئيس جامعة الإيمان باليمن - الشيخ ابن باز بأنه:
"كان صمام أمان في المجتمع الإسلامي، جبل من جبال العلم هوى، فنعزي أنفسنا والمسلمين، ونسأل الله له الرحمة والمغفرة، وأن يجعله مع الصديقين والصالحين.
أعتقد أن الشيخ ابن باز كان صمام أمان بين أبناء المجتمع، يضبط الفتوى، ويثق الناس في فتواه، حيث كان يبتغي بفتواه وجه الله، لا ينحاز إلى فئةٍ أو دولةٍ أو طائفةٍ أو هوى، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا.
وكان - رحمه الله - إذا حضر مؤتمرًا كان النجم اللامع الذي يقود دفة سير المناقشات في تلك المؤتمرات بعلم وحكمة وسداد رأي ..
وكان - رحمه الله - من المتحمسين لهيئة الإعجاز العلمي والداعمين لها، وكان ينتدبني للإصلاح بين المجاهدين الأفغان، ولما سمع أننا قمنا بإنشاء جامعة الإيمان أرسل إلينا رسالة يُشجعنا فيها على المضي في ذلك، ويقول إنه يُسعده أن يُعاون ويدعم الجامعة.
ومن أبرز صفاته أنه كان عالمًا وثيق الصلة بالعلم، وكثير العمل، وكثير الذكر والعبادة، وهي صفات قلَّ أن تجتمع في رجلٍ، وكان شجاعًا في الحق، ولكن في لينٍ، لا تأخذه الانفعالات .. تجمله الشريعة والدليل، ولقد ناقشته مع الشيخ عبدالوهاب الديلمي في فتوى أصدرها، وتراجع عنها بعد أن أتيناه بالدليل من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكتب أخرى.
وهو سهل قريب مع البسطاء والمساكين، يقضي حاجاتهم، ويُدافع عنهم، ويرعى أسرهم، ولكنه لا يتنازل في دينه قيد شعرة - نحسبه كذلك - .. وإن وقع - رحمه الله - في أمر في خطأ فإنما مرد ذلك للضعف البشري، لا لسوء القصد، وكان شديد التمسك بمنهج السلف، بصيرًا بواقع أمته، وإمامًا من أئمة المسلمين". [1]
وقال أيضًا: "إن الشيخ ابن باز - رحمه الله - يُعدّ من أعلم من عرفنا في عصرنا علمًا وعملًا وتقوى، ونسأل الله أن يأجر الأمة في مصابها، فلقد كان من الرجال الذين تمسكوا بهدي القرآن والسنة، ويعرفون مناطق الضعف في أحوال الأمة، ويُجيد الوسيلة الحكيمة لتقديم النصح، وعدم التفريط في حقٍّ، أو التقصير في نصح الأفراد والجماعات والهيئات.
لقد عشتُ معه فترةً من الزمن في مؤتمرات وندوات علمية دولية، فكان نجمًا ساطعًا في كل تلك الملتقيات، ولقد صحبته يومًا وأنا في عزِّ شبابي من الصباح إلى المساء، فما جاء المساء إلا وقد تعبتُ وأنا الشاب، ولكن ما رأيتُ عليه آثار التعب الذي كنتُ أحسّ به.
فقد كان يقضي حوائج الناس، ويرد على أسئلة المستفسرين في مكتبه، وهو يتنقل من غرفةٍ إلى غرفةٍ، ويُكمل بقية العمل في السيارة، فوقته كله قدَّمه لدينه ولأمته.
لقد عرفتُه يقف وراء هيئة الإعجاز العلمي، ويُقدم لها الدعم الأدبي، ويُشجعها على ارتياد آفاق العلوم الحديثة، وتقديم معجزات القرآن والسنة، وكان لا ينصرف عمَّن يتحدث إليه، ولا يحقر مسلمًا، ولا يهاب صاحب جاهٍ، ولكن يُنزل الناس منازلهم". [2]
سيرة وحياة الشيخ ابن باز، لإبراهيم الحازمي (428/1-429).
مجلة الدعوة، عدد (9725)، بواسطة: رثاء الأنام لفقيد الإسلام، لإبراهيم المحمود (39،38).
يقول الشيخ صالح اللحيدان - عضو هيئة كبار العلماء:
"إن العالم الإسلامي فُجع بوفاة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز مفتي عام المملكة، إلا أن ذلك قضاء الله، ولا رادَّ لقضائه، وكل نفس ذائقة الموت ..
لقد كان شيخنا في غالب أوقات الدراسة، وأستاذنا في المعهد والكلية ومعهد القضاء العالي، وهو أكثر الناس خلقًا وأدبًا وحبًّا ورأفةً بالناس، وحبًّا للإحسان، كان يُذكرنا بما نقرأ من سير العلماء المتقدمين، باذلًا نفسه وجاهه وماله، محسنًا في أموره كلها ..
لقد كان واسع المعرفة، واسع الاطلاع في الحديث وعلومه ورجاله، وفي الفقه والتفسير، حسن ديباجة الكلام، جزل العبارة، إذا تحدَّث يُقدم الأدلة كأنها على طرف لسانه، سريع الاستدلال من القرآن والسنة، يكاد يأتي على أدلة الموضوع الواحد دون تردد في تفسير أو تأمل، وهو إمام في الحديث وعلومه، عالم في التفسير والفقه ..
لقد كان يُدافع عن الأفغان، ويتأثر لاختلافهم، ويضيق صدره بحوادث الصومال، ويتألم بما يحدث للعالم الإسلامي من ضائقةٍ وسوءٍ، يهتم بمشاكل المسلمين في أوروبا، ويسعى لنشر الدعاة في العالم، وهناك أعداد كبيرة من الدعاة في أستراليا وغيرها تُصرف مرتباتهم عن طريقه - رحمه الله - كما كان يُطبع عن طريقه كثيرٌ من الكتب من أموال المحبين للخير من أمراء وتجار". [1]
مجلة الدعوة، عدد (9725)، بواسطة: رثاء الأنام لفقيد الإسلام، لإبراهيم المحمود (21-23)، إمام العصر، لناصر الزهراني (160،159).
الحاج التهامي إبريز:
عبَّر رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا الحاج التهامي إبريز عن حزنه وألمه جراء فَقْد سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، وقال في حديث لجريدة الرياض:
"لقد حزنا لفراق الشيخ ابن باز منذ أن علمنا بوفاته، حيث قرأنا ذلك في الصحف الفرنسية، وسمعناه عبر المحطات المتلفزة، ولقد كان - يرحمه الله، كما عرفته والتقيت به - عالمًا بارزًا من علماء الأمة الإسلامية، وكان فريدًا في علمه وتواضعه إلى درجة أن الإنسان ليثير انتباهه ما يتحلى به هذا الشيخ الجليل من صفات عظيمة وكريمة".
وأضاف الحاج التهامي: "ما أن علمنا حتى عممنا على المساجد التابعة للاتحاد بأداء صلاة الغائب على سماحته، حيث أدينا والمصلون عقب صلاة الجمعة صلاة الغائب عليه - يرحمه الله - في جامع الملك عبدالعزيز في باريس والتابع للاتحاد، وقد خطب بنا الشيخ مختار جبلله الذي كان ذا علاقة وطيدة بالشيخ ابن باز، فأثنى عليه في خطبته، وسأل الله له الجنة والمغفرة، وعده فقيد الأمة الإسلامية".
وقال: "لقد رأينا الناس الذين يعرفونه والذين لا يعرفونه حزينين ويبكون لفراقه". [1]
سيرة وحياة الشيخ ابن باز، لإبراهيم الحازمي (452/1).
قال فضيلة الشيخ عبدالله بن سليمان المنيع:
"إن الحديث عن سماحة شيخنا الجليل تنشرح له الصدور، وتتفتح له النفوس، ويحلو بذكره اللسان، فقد كان لي مع سماحته أكثر من علاقة، أهمها وأحلاها علاقتي به شيخًا كريمًا، لقد درستُ على يد سماحته في المراحل الدراسية الثلاث: الثانوية، والجامعية، والدراسات العليا في المعهد العالي للقضاء، فاستفدتُ من علمه الغزير، وفقهه الواسع، وأدبه الجم في التعليم والتعلم، الشيء الذي أعتزّ بتحصيله من سماحته.
وعملتُ مع سماحته وتحت رئاسته في الرئاسة العامة للإفتاء والبحوث والدعوة والإرشاد، فكنت نائبًا عامًّا لسماحته في الرئاسة لمدة عامين، وقد كنتُ قبل ذلك عضوًا في اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء تحت رئاسته، ثم تشرفتُ بالعمل مع سماحته في هيئة كبار العلماء، فكان - رحمه الله - نعم الشيخ معلمًا وموجّهًا وناصحًا وحريصًا على الاهتمام والعناية بطلابه، فلقد أخذنا عنه - رحمه الله - العناية بالدقة في إصدار القرار: الحكم أو الفتوى أو الرأي، وأخذنا عنه المرونة في النقاش وتبادل الآراء، والوقوف عند الحقيقة، والبعد عن التعصب للرأي، حيث كان - رحمه الله - يُقرر رجوعه إلى رأي الأكثرية من زملائه وإخوانه وأبنائه في بحث أمرٍ يكون له فيه رأي مخالف، فيرجع ويقول: "اللهم اهدنا فيمَن هديت"، وذلك حينما يظهر له رجحان الرأي المخالف له.
وكان - رحمه الله - نِعم الرئيس في العمل: نصحًا، ورأفةً، ورحمةً، وتقديرًا لزملائه وتابعيه في العمل، ويرعى حقوقهم، ويحترم مشاعرهم، ويُقدِّر جهودَهم، ويكره الحديثَ فيهم وعنهم مما يكرهون، وقد قال لبعض الناس حينما كان يتحدث في حقِّ موظفٍ تابع له: "اتركوا لي عمالي"، ولا يألو جهدًا في سبيل تحقيق مصلحةٍ لأحد موظفيه إذا كانت لا تتعارض مع المصلحة العامة.
وكان - رحمه الله - نعم المشارك في المسائل والبحوث العلمية، فبالرغم من جلالة قدره، ورفعة مكانته العلمية، وإقرار الجميع بفضله وفقهه وغزارة حصيلته العلمية، فهو لا يتعصب لرأي إذا كانت المسألة موضوع البحث مما للاجتهاد فيها مجال، ويُحب أن يسمع الرأي في المسألة من كل مشتركٍ معه في البحث من غير تفريقٍ بين كبير وصغير، ولكنه حينما يظهر له فيها رأي يعتقده فهو يتمسَّك به، ولا يرجع عنه إلا بمبرر شرعي ظاهر.
وقد ضرب - رحمه الله - رقمًا قياسيًّا في كرم النفس وكرم المال لم يُجاره في ذلك أحد من العلماء المعاصرين فيما علمنا.
ولقد ذكر لي أحد المختصين بشؤون نفقات بيته أن نفقاته اليومية تتجاوز الألفي ريـال، ولهذا ما من عام ينصرم إلا وعليه ديون، والحكومة - أعزها الله - تُدرك ذلك من سماحته، فتقوم بسداد ديونه؛ لأنها تعرف أنه وجهٌ مُضيء للبلاد في كرمه وخلقه وعلمه ونصحه وتقواه، وإجماع الناس على تقديره وحبّه.
وهو - رحمه الله - إنسان يتمتع بصفات الإنسان الفاضل من حيث نظراته إلى بني جنسه، بغض النظر عن العرق والجنس واللون، فهو يُحب الإنسان من حيث هو إنسان، يرى فيه عوامل إكرام الله إياه، فيأمل من كل إنسانٍ أن يُدرك حكمة وجوده في هذه الحياة، فيعرف قدر حقّ ربه عليه؛ ليكون من هذه المعرفة قادرًا على تحصيل أسباب السعادة في الدنيا والآخرة.
فهو - رحمه الله - لا يألو جهدًا في سبيل مناصحة أي إنسانٍ على أن يسلك الصراط المستقيم؛ ليكون بذلك لبنةً صالحةً لبناء المجتمع الإسلامي النبيل.
ولقد تقلّد القضاء - رحمه الله - في آخر شبابه ومستهل كهولته، فكان نعم القاضي العادل، ونعم القاضي العالم، ونعم القاضي المرضي، فما من حكمٍ يصدر من سماحته في قضائه إلا هو موضع التسليم والرضى والقناعة من طرفي الخصومة، لما يتمتع به - رحمه الله - من القبول لدى الجميع، والقناعة به من الجميع، والاطمئنان إلى ما يحكم به من الجميع". [1]
مجلة الدعوة، عدد (9725)، بواسطة: الإنجاز في ترجمة الإمام عبدالعزيز بن باز، لعبدالرحمن الرحمة (295-297)، سيرة وحياة الشيخ ابن باز، لإبراهيم الحازمي (472/1-475).
قال الأستاذ محمد الرابع الحسني الندوي - رئيس ندوة علماء الهند وعضو رابطة العالم الإسلامي:
"لقد تلقت أسرة ندوة العلماء بمدارسها ومراكزها للدعوة الإسلامية بمزيد من الأسى نبأ وفاة العالم الرباني الجليل العلامة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، فكان هذا الحادث المؤلم خسارةً للعالم الإسلامي كله، خاصةً في هذا العصر الذي نفقد فيه رجالًا مخلصين عاملين لله وحده.
فالعلامة الشيخ ابن باز كان ثروةً لجميع المسلمين، وليس للمملكة العربية السعودية وحدها، وقد أراد الله أن يعمَّ الخير عن طريقه العالم كله، فاليوم فقدنا سندًا قويًّا، ودعمًا كبيرًا للدعوة إلى الله، والنصح والإرشاد، وإنا على ثقةٍ بأن كتبه ومواعظه تنفع المسلمين على اختلاف بلدانهم ولغاتهم.
وطلبة دار العلوم لندوة العلماء وأساتذتها والمسؤولون فيها يعتبرون هذا الحادث قد ألم بالجميع، ويُشاطرون المسلمين الشعور بالأسى، داعين الله أن يتغمَّد الفقيد العظيم برحمته ورضاه، ويوفقنا جميعًا أن نستفيد مما تركه الشيخ الفقيد من كتبه ومجموعات فتاواه وخطبه.
أسأل الله العلي العظيم أن يكتب لشيخنا الفقيد الأجر والمثوبة ما يكتبه للصالحين من عباده". [1]
سيرة وحياة الشيخ ابن باز، لإبراهيم الحازمي (448،447/1).
قال فضيلة الشيخ طه بن عبدالواسع البركاتي، المدير السابق لإدارة الوعظ والإرشاد بالمسجد الحرام - رحمه الله:
"إن سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز - غفر الله له وأسكنه فسيح جناته - كان عالمًا من العلماء البارزين، ومن العلماء الثّقات الذين خدموا الدعوة الإسلامية والعقيدة الإسلامية، وقد كان - يرحمه الله - يتصف بالتواضع الجم، والأخلاق الرفيعة العالية". [1]
سيرة وحياة الشيخ ابن باز، لإبراهيم الحازمي (493/1).
قال الشيخ علي الريسوني - رئيس جمعية الدعوة الإسلامية في شفشاون بالمغرب:
"إن فضيلة الشيخ ابن باز كان علمًا من أعلام الأمة، وعالمًا فذًّا يصدع بكلمة الحق، ولا يخاف في الله لومة لائم.
كان - رحمه الله - حريصًا على إبداء موقف الشرع في أي قضيةٍ تُعرض عليه، فيُوصلها بحسب ما يثبت في السنة المطهرة، والسيرة المشرفة، وأقوال السلف الصالح والعلماء المصلحين.
إن الله قد قيَّض الشيخ ابن باز ليدحض كثيرًا من منكرات هذا العصر التي كادت أن تتمكن من عقيدة المسلمين، ومن سلوكهم اليومي، فكان - رحمه الله - صادعًا بكلمة الحق، منتصرًا لقول الشرع، متحريًا لمصلحة المسلمين.
وكان - رحمه الله - عاملًا على نشر كتاب الله وسنة رسوله، متابعًا لأحوال المسلمين أينما كانوا، مساعدًا لهم في كل ما ينزل بهم من قضايا ومشكلات، حاثًّا على وحدتهم وتناصرهم ورفع الظلم والأذى عنهم، وعلى ردّ الباطل والانحراف مهما كان شكله". [1]
جريدة عكاظ، عدد (11949)، بواسطة: سيرة وحياة الشيخ ابن باز، لإبراهيم الحازمي (446/1).
قال الشيخ سعد البريك:
"رحلة الشيخ كانت في جهادٍ ودعوةٍ وعلمٍ وصبرٍ، ولذلك فقد أفنى عمره في خدمة الإسلام والمسلمين، فهو لم يعرف الإجازة أو الاستجمام طيلة حياته، فكل مكان ينتقل إليه تجده يبدأ دروسه: في الطائف، ومكة، والرياض، وجدة، ومساهماته الإذاعية في (نور على الدرب) والبرامج الدعوية بحيث لا تضيع دقيقة من حياته هدرًا، والذي يعيش في قرب الشيخ رأى العجائب لهذه الحياة المليئة بالكفاح والجهاد وخدمة الإسلام والمسلمين". [1]
جريدة عكاظ، عدد (11949)، بواسطة: رثاء الأنام لفقيد الإسلام، لإبراهيم المحمود (118،117).
قال فضيلة الشيخ عطية محمد سالم، أحد تلاميذ الشيخ ابن باز والقاضي السابق بالمحكمة الشرعية والمدرس السابق بالمسجد النبوي - رحمه الله:
"لقد فقدتُ أبي بفقد هذا العالم الجليل، وفقدتُ أستاذًا أفخر وأعتزّ بتتلمذي على يديه، وفقد عالمنا الإسلامي دعامةً قويةً من دعائم الدعوة والإرشاد والإفتاء والعلم، وركنًا من الأركان القوية في التعليم الديني.
لقد كان سماحة العلامة الوالد الشيخ عبدالعزيز بن باز رجل علم، وكان إنسانًا قويًّا، ثاقب الرأي، عميق الرؤية، بعيد النظر، قويًّا في الحق، رحيمًا، رفيقًا، رقيقًا في المواقف التي تستحق الرحمة، وكان حليمًا، ولكنه يشتد غضبه إذا تجاوز أحد حدًّا من حدود الله، وأساء إلى الدين الإسلامي الحنيف بقصدٍ". [1]
وقال أيضًا: "هذا الشخص ليس كغيره، فالشيخ عبدالعزيز بن باز يُعطي عطاءً وافرًا في العلم والمال وحُسن الخلق والمساعدة، فكان يعيش لغيره أكثر مما يعيش لنفسه، وقد هزَّ حدثُ وفاته العالم الإسلامي؛ لأنه كان ذا صلةٍ وثيقةٍ بهذا العالم في مسيرته الحياتية، سواء الشخصية أم الاعتبارية المعنوية، ففي شخصيته مكارم الأخلاق، والمروءة، والسماحة، وبذل الجهد لكلٍّ فيما يستطيعه، بل ما لم يكن يستطيعه كان يبذل جاهه عند الآخرين لتيسير حاجاتهم.
كان الشيخ ابن باز رجلًا عالميًّا، ولو أن أصحاب الجوائز العامة - كنوبل وغيره - يُقدرون النواحي العلمية الدينية لكان هو على القمة وفي الأوائل.
سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز كان كما يُقال: أمة، أي أمة! في ذاته وتصرفاته وأعماله ومقاصده وإنتاجه، فكما ذكرت الأسئلة كان رئيسًا لعدة جهات، كل جهة تحتاج رئاسةً مستقلةً، وكانت تمشي تحت رئاسته بكل نظام، وبكل احترام، وبكل توفيق.
أما لماذا أحبَّ الناسُ ابنَ باز إلى هذا الحد: فقد يُجيب عن هذا ما قاله أحد العلماء حينما ذكر أن أسباب المحبة أربعة: جلب نفع، ودفع ضر، وحسن خلقة، وحسن خلق.
فأما جلب النفع: فكان متوفرًا في الشيخ ابن باز أكثر من غيره إلى حدٍّ بعيدٍ؛ لأنه ما قصده إنسانٌ في سعيه إلى خيرٍ يحصله إلا وجد عنده المساعدة في شخصه، أو بواسطته، وكذلك دفع الشر في شفاعته.
أما حسن الخلق: فهو - كما نرى - إنسان سوي، كريم الأخلاق، واسع الصدر، حليم، وحسن الخلقة بقدر ما نتحدث عنه فلن نستوعب كمال هذا الحسن في هذا الخلق.
ومن طول معاشرتي إياه لم أسمع منه لفظًا نابيًّا، ولم أرَ وجه ابن باز يومًا عابسًا، ولم أره حَنِقًا، إنما هو مثال الهدوء، ومثال الحلم والتروي والإحسان إلى الغير، ومدّ يد المساعدة، وكل ما يدخل في تصانيف مكارم الأخلاق كنت تجده في هذا الرجل". [2]
سيرة وحياة الشيخ ابن باز، لإبراهيم الحازمي (475/1).
مجلة اليمامة، عدد (1557)، بواسطة: رثاء الأنام لفقيد الإسلام، لإبراهيم المحمود (72،71).