للبيئةٍ المحيطة بالإنسان أثرٌ كبيرٌ في شخصيتهِ وتكوينهِ، كما أنه بدورهِ يؤثرُ في المحيطينَ بهِ، وفي هذه الصفحاتِ شذراتٌ مشوّقةٌ من نشأةِ الشيخِ وحياتِه العائليةِ رحمه الله.
صفاته وأخلاقه
ما بينَ تواضعٍ وحلمٍ، وجودٍ وزهدٍ، ونشرٍ للخيرِ والعلمِ، وأيادٍ بيضاء في ميادين الخيرِ، تستعرضُ الصفحاتُ الآتية صورًا من معالمِ القدوةِ الربانيةِ في شمائلِ الشيخِ ومناقبِه.
حياته العلمية
لا يكادُ يُعرفُ في عصرِ الشيخِ العلّامةِ مَنْ يماثِلُه في بذلِ العلمِ وكثرةِ الطلاب وغزارةِ المجالسِ في شتى الفنونِ. فيما يلي لمحاتٌ من مسيرتِه الفذةِ وتأثيرِه العظيم على مرِّ عقودٍ من الزمان.
حياته العملية
لقد شرُفَت بالشيخ العلامةِ مناصبٌ كثيرةٌ؛ كان فيها مضربَ المَثلِ في الهمةِ والنشاطِ ونفعِ الناس والأمة، وفي هذه الصفحات طرفٌ مما بذلَه وقدمَه من إنجازاتٍ عمليةٍ وخيريةٍ هائلةٍ.
مواقفه
عبر مسيرتِه العظيمةِ ومواقفِه النادرة.. تلتقطُ الصفحاتُ التالية روائعَ من مواقف الشيخِ الرائدة في شتى الشؤون والمجالات؛ عقدية وسياسية واجتماعية واقتصادية، وغيرها.
مسيرته الدعوية
في مسيرتِه الدعوية اجتمعتْ في الشيخِ العلامةِ صفاتٌ يعزُ اجتماعُها في شخصٍ واحدٍ؛ من سلامةِ المنهجِ والهمةِ العاليةِ واجتماعِ القلوبِ تنهل من معينه الثريِ. ففي هذه الصفحاتِ قطوفٌ من ألوفٍ.
قالوا عنه
أسفرَ اجتماعُ القلوبِ على محبةِ الشيخ عن أقوالٍ كأطايب الثمار، نثرًا وشعرًا، تصفُ شمائلَه وآثاره، من محبيِه وذويهِ ومعاصرِيه، لا تقع تحتَ حصرٍ، وفي هذه الصفحات غيضٌ من فيضِها.
مؤلفات عن الشيخ
ما بين رسائل علمية أكاديمية ومؤلفات متنوعة.. شَرُفت آلات المطابع بإخراج الكثير من المؤلفات، حول آثار الشيخ العلاّمة الدعوية والفكرية والتربوية؛ تبرز مسيرة العطاء الفذة!
قالوا عنه
قال الدكتور عبدالرحمن السميط، الأمين العام للجنة مسلمي إفريقيا سابقًا - رحمه الله:
"لقد فقدت الأمة الإسلامية عالمًا من علمائها، وركنًا من أركانها الذين جاهدوا في العمل الإسلامي الدعوي جهادًا كبيرًا.
كما أن فضيلته كان بمثابة صمام أمان للدعوة الإسلامية في قرنها الأخير، فكان أستاذًا للأمة، وترك بصماته التي لا أشك أنها ستبقى سنين طويلة في جمع كلمة الدعاة إلى الله، والله نسأل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يُعوض الأمة فيه خيرًا". [1]
سيرة وحياة الشيخ ابن باز، لإبراهيم الحازمي (381/1).
قال الشيخ أبو الحسن الندوي - المفكر الإسلامي والداعية الهندي - رحمه الله:
"تلقينا نعي سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، رحمه الله تعالى، وأسكنه فسيح جناته، فقد كان - رحمه الله - من أعز إخواننا، وأكرم زملائنا في دروب الدعوة إلى الله، وكان لي معه صحبة وصداقة منذ أربعين سنة أو أكثر، في جلسات رابطة العالم الإسلامي، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ومناسبات مختلفة، وكلما لقيته وجدتُ فيه روحًا جياشةً ومعنويةً عظيمةً لإعلاء كلمة الله في مشارق الأرض ومغاربها.
ونحن فقدنا بوفاته أعظم شخصية دينية في عيني، نسأل الله - عزَّ اسمه - أن يتغمَّده برحمته، ويُجازيه بأحسن ما جازى به أعلام المسلمين وكبار الصالحين ورجال العلم والدين.
وقد كان - رحمه الله - وحدةً في العمل الدائب، والإخلاص، وإنكار الذات، وكان عونًا كبيرًا لطلبة العلم والمنتسبين إلى العلوم الشرعية في حقل الدعوة.
ولي ذكريات طيبة عن لقاءاته المتكررة، فقد تلقيتُ ترحابًا كلما زرته.
أُملي هذه السطور وأنا على فراش المرض، وإلا لأكثرتُ في العرض عمَّا تُكن نفسي تجاه الفقيد العظيم، وأسأل الله أن يُلهمنا الصبر والسلوان، وعظّم الله أجرنا جميعًا". [1]
مجلة الشقائق، عدد (21)، بواسطة: رثاء الأنام لفقيد الإسلام، لإبراهيم المحمود (50،49).
قال الأستاذ محمد الرابع الحسني الندوي - رئيس ندوة علماء الهند وعضو رابطة العالم الإسلامي:
"لقد تلقت أسرة ندوة العلماء بمدارسها ومراكزها للدعوة الإسلامية بمزيد من الأسى نبأ وفاة العالم الرباني الجليل العلامة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، فكان هذا الحادث المؤلم خسارةً للعالم الإسلامي كله، خاصةً في هذا العصر الذي نفقد فيه رجالًا مخلصين عاملين لله وحده.
فالعلامة الشيخ ابن باز كان ثروةً لجميع المسلمين، وليس للمملكة العربية السعودية وحدها، وقد أراد الله أن يعمَّ الخير عن طريقه العالم كله، فاليوم فقدنا سندًا قويًّا، ودعمًا كبيرًا للدعوة إلى الله، والنصح والإرشاد، وإنا على ثقةٍ بأن كتبه ومواعظه تنفع المسلمين على اختلاف بلدانهم ولغاتهم.
وطلبة دار العلوم لندوة العلماء وأساتذتها والمسؤولون فيها يعتبرون هذا الحادث قد ألم بالجميع، ويُشاطرون المسلمين الشعور بالأسى، داعين الله أن يتغمَّد الفقيد العظيم برحمته ورضاه، ويوفقنا جميعًا أن نستفيد مما تركه الشيخ الفقيد من كتبه ومجموعات فتاواه وخطبه.
أسأل الله العلي العظيم أن يكتب لشيخنا الفقيد الأجر والمثوبة ما يكتبه للصالحين من عباده". [1]
سيرة وحياة الشيخ ابن باز، لإبراهيم الحازمي (448،447/1).
قال الشيخ الدكتور عبدالله بن محمد آل الشيخ - رئيس مجلس الشورى ووزير العدل السابق:
"لقد فجعت الأمة الإسلامية بأسرها بوفاة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز المفتي العام للمملكة العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء، ورئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء.
وما من شكٍّ أن مُصاب الأمة في سماحته جلل، وخطبها عظيم، غير أننا لا نملك إلا أن نمتثل بهدي رسول الله ﷺ ونقول: اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلفنا خيرًا منه.
وإننا بفقد سماحته نفقد ما كان سماحته عليه من لين الجانب، وبساطة المعيشة، وحب الخير، والنصح والتّفاني في قضاء حاجات المسلمين، والبشاشة فيمَن يرد إليه، وحرصه على أحوال المسلمين، وتلمسه لمشكلاتهم، والسعي إلى إعانتهم، فضلًا عما وهبه الله من علمٍ ورأي سديد.
لقد كان سماحته على قدرٍ كبيرٍ من فهم مقاصد الشريعة وأهدافها، والفهم الحقيقي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر العلم، وتقدير وفهم مسؤولية الدولة.
وكان في هذا كله مرجعًا للجميع من الكبار والصغار، والعلماء وعامّة المسلمين، وكان لكل هؤلاء الرجل الذي يبذل جلَّ وقته لقضاء حوائج الناس، وإرشادهم، حتى أصبح مثلًا أعلى، وقدوةً حسنةً للجميع، العالم والعامي، الكبير والصغير، الرئيس والمرؤوس، مجمع عليه إجماعًا لا يقبل الشك، ولا الاختلاف، فكان بذلك نادرة زمانه، وعالم عصره، وإمام وقته.
إن فقد الأمة لسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز ليس فقد شخصٍ أو فقد غالٍ على النفوس، أو فقد عالم من علماء الأمة فحسب، بل هو فقد ركن عظيم طالما استندت عليه هذه الأمة بما طُبعت عليه من تحكيم شرع الله، وحفظ مكانة العلماء، ومعرفة منزلتهم، وتعظيم قدرهم، والأخذ بمشورتهم.
ولقد كان سماحته في قمة هؤلاء العلماء، ورأسًا لتلك الكوكبة المضيئة من مصابيح الأمة، وقدوة حسنة لهذا الجيل النابه من المشايخ والعلماء وطلبة العلم، نهلوا من علمه الغزير، واقتدوا بسيرته العطرة، وتتلمذوا على يديه، فكان نعم العالم، وكانوا نعم طلبة العلم.
أسأل الله أن يجعل ما قدَّمه سماحته للإسلام والمسلمين في موازين حسناته، وأن يجزل له الأجر والمثوبة، وأن يجعله في أعلى درجات الجنة، كما أسأله أن يجعل فيمَن خلفه الخير والصلاح والنفع والرّشاد". [1]
قال الدكتور نصر فريد واصل - مفتي مصر السابق:
"إن وفاة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز - رحمه الله - خسارة فادحة لا تُعوض، إنه عَلَمٌ من أعلام الإسلام في الوقت الراهن، جاهد كثيرًا - رحمه الله - من أجل تصحيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام في كافة ربوع الأرض، كما بارك وشجّع دائمًا على إقامة المراكز الإسلامية في مختلف أنحاء العالم.
وكان يرى - رحمه الله - أن العالم أجمع لا بد أن يعلم المفاهيم الصحيحة للدين الإسلامي الحنيف والسنة النبوية، وأن ينشر الإسلام في كافة ربوع الأرض وفق المنهج الصحيح والسنة المباركة، لذلك كان يُشجّع العلم، ويُحفز العلماء على إقامة شعائر الله وفق المفاهيم الصحيحة.
إن وفاة هذا العالم الجليل صدمة وخسارة فادحة للعالم الإسلامي في كافة ربوع الدنيا؛ لما كان له من بُعد نظرٍ، ورؤية ثاقبة، وموعظة حسنة، إنه كان داعية إسلاميًّا كبيرًا، وعلمًا من أعلام الدين الإسلامي الحنيف.
رحم الله الفقيد، وألهم أبناء الشعب السعودي وأبناء العالم الإسلامي الصبر والسلوان في هذا الفقيد الجليل". [1]
سيرة وحياة الشيخ ابن باز، لإبراهيم الحازمي (407،406/1).
قال الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن البسام، عضو هيئة كبار العلماء السابق - رحمه الله:
"شيخنا سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز - رحمه الله - هو المستحق الآن للقب (شيخ الإسلام والمسلمين)؛ لما بذله من مساعٍ في خدمة الإسلام والمسلمين، فهو الداعية الكبير، وهو المفتي الأول في الداخل والخارج، وهو الموجه إلى فعل كل خير، وهو رئيس المجلس التأسيسي في رابطة العالم الإسلامي، ورئيس مجمع الفقه الإسلامي، ورئيس مجلس هيئة كبار العلماء، وهو المرجع في كل شأنٍ من شؤون الإسلام؛ لما حباه الله تعالى من إخلاص لدينه وأمته، ولما امتاز به من سعة علم، وبُعد نظرٍ، وقبولٍ لدى المسلمين، فهو موزع وقته على خدمة الإسلام ومصالح المسلمين.
وقد جعل الله تعالى له إجلالًا في النفوس، ومحبةً في القلوب، رحمه الله، وغفر له، وأسكنه فسيح الجنان". [1]
الإنجاز في ترجمة الإمام عبدالعزيز بن باز، لعبدالرحمن الرحمة (298،297)، إمام العصر، لناصر الزهراني (160).
قال فضيلة الشيخ الدكتور عمر العيد - الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود وعضو رابطة العالم الإسلامي:
"عاشرته أكثر من 20 سنة، وإن سماحته كان إذا سافر إلى الطائف في الصيف أظلمت علينا الرياض، فكيف إذا فقدناه، رحمه الله وجعل الجنة مثواه.
ولا شك أن وفاة سماحته مصيبة على المسلمين كلهم، ليس على طلابه أو أهل منطقةٍ وحدها، بل العالم كله، ولا نُحصي الاتصالات من داخل وخارج المملكة، كلهم لم يصدقوا بوفاته أصلًا، فالجميع يبكون لوفاة سماحته: الأطفال وكبار السن والنساء وعوام الناس، والناس بعدما أُعلن في المساجد وبعضهم يُصلي على جنائزهم بكوا لفراق سماحته بكاءً شديدًا، فسماحته كان سدًّا منيعًا مع الحق، ورجل أمةٍ، وداعية العالم كله، فما من جمعيةٍ أو مؤسسةٍ إسلامية إلا وتذكر الشيخ بخير وشفاعة وإعانة، والمسلمون في إفريقيا وإندونيسيا والفلبين كلهم يسألون عن الشيخ، مما يدل على أن فقده ثلمة كبيرة، ولا يسدها شيءٌ إلى قيام الساعة، إن كان عالمًا فكيف بعالم الأمة كلها؟!
فلا شك أنها مصيبة للعالم كله .. ولا نقول إلا ما يُرضي الرب: إنا لله وإنا إليه راجعون، ورضينا بالله ربًّا، وبمحمد ﷺ رسولًا، وبالإسلام دينًا، فوفاة سماحته مصاب عظيم.
وندعوه سبحانه أن يلهم أبناءه وذويه الصبر والسلوان، فهول المصيبة كبير على الجميع.
سماحته حُقَّ أن يُؤلف في حقِّه المجلدات، فقد عاشرنا سماحته فلم نجد عالمًا مثله، كان حانيًا على تلاميذه، ومؤدبًا، وحريصًا عليهم، فرحمه الله". [1]
سيرة وحياة الشيخ ابن باز، لإبراهيم الحازمي (495،494/1).
قال فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن غانم السدلان - أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود:
"إن وفاة سماحة المفتي العام للمملكة العربية السعودية سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز تُعدّ فاجعةً عظيمةً للأمة الإسلامية جميعًا، وليس على مواطني هذا البلد فحسب، وإن سماحته - رحمه الله رحمةً واسعةً، ورفع درجاته في عليين مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وجمعنا به في جنات الفردوس الأعلى - تميز بخصال كثيرةٍ، ومميزات عظيمة، كان لها الأثر العظيم والكبير، حيث أحبته القلوب، ومن كل الطبقات، وفي كل البلاد.
وإن سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز الذي عُرف برسوخه في علم العقيدة والفقه، وكذلك في علوم أخرى: كالفرائض، والحديث، ومعرفة علم الرجال، وغير ذلك، إلى جانب هذا تميز - رحمه الله تعالى - بسماحة الفتوى وتيسيرها على الناس، والبعد عما يعنتهم، أو يشق عليهم، مع الالتزام بالدليل من الكتاب والسنة وأقوال السلف والمحققين من أهل العلم.
إن سماحة الشيخ ابن باز ليس هو علم مُنزوٍ، أو في نشاطٍ محدودٍ، بل إن نشاطه الذي لا يعرف الحدود: نشاط التدريس والتعليم، ونشاط في الفتيا، ونشاط في الدعوة إلى الله، ونشاط في الإصلاح، ونشاط لجمع الكلمة وتوحيد الصفوف، إلى جانب نشاطه في نشر مذهب أهل السنة والجماعة، ونشاطه في الاعتدال بكل الأمور.
كذلك كان - رحمه الله - لا يُحب أن يُعنف على أحدٍ، إلى جانب نشاطه في مجال التأليف، وفي مجال الإدارة، فقد تولى القضاء، وتولى رئاسة الجامعة الإسلامية، وتولى رئاسة إدارات البحوث العلمية والدعوة والإرشاد، وتولى التدريس في كلية الشريعة، وأخيرًا أصبح مفتيًا عامًّا للمملكة العربية السعودية، إلى جانب مميزات أخرى كثيرة من التواضع للصغير والكبير، وصفاء السريرة، وعدم الحقد على الناس، والنصح التام، والسؤال عن الصغير والكبير، وكل مَن زاره وجالسه يعرف دقته في الاستفسار والسؤال عن الخاص والعام.
إلى جانب أنه - يرحمه الله تعالى - كثير التلاميذ، فتلامذته كثيرون والحمد لله، وكل الذين في الساحة من المفتين والطلاب ورؤساء الدوائر وغيرهم من طلاب العلم، كل هؤلاء هم تلاميذ سماحة الشيخ عبدالعزيز، رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً.
كذلك من المميزات التي عُرف بها سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز: أنه جادٌّ دائمًا، لا يعرف إلا الجدّ، ولا يعرف الإجازة مطلقًا، ولا أعلم أنه في يومٍ من الأيام خرج للنزهة وللبرية، كذلك أيضًا أيام العطل وأيام الأعياد يعمل فيها.
إن الشيخ ابن باز إلى جانب عمله الرسمي كان لديه عمل في بيته، ولديه عدد من الكُتَّاب قد يزيدون على الخمسة، كلهم في بيته يعملون في أعمال تأتيه من الداخل ومن الخارج، وفي شؤون المسلمين، وفي شؤون الدعوة، فهو يعمل دائمًا وأبدًا، بالليل وبالنهار، أطراف الليل، وأطراف النهار، كلها بالعمل، ولا يعرف التوقف، رحمه الله.
وقد منحه الله تعالى الصحة، وكان مستمرًّا في عمله، ومرتاحًا له، يجدّ فيه اللذة والأنس والسرور، إلى جانب التدريس اللامنهجي، فهو يدرس في العقيدة، وفي الحديث، والتفسير، وسائر العلوم في المسجد الذي يُجاوره، وفي مساجد بعيدة أيضًا، إنه أيضًا يُشارك في المحاضرات والندوات، فهو من أنشط الناس حتى قبل موته بستة أشهر تقريبًا، فقد كان جدوله في المحاضرات مساويًا لأنشط الناس في صحته وقوة بدنه.
فرحم الله الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمةً واسعةً، ورفع درجته في جنات الفردوس الأعلى، وجمعنا به في عليين". [1]
سيرة وحياة الشيخ ابن باز، لإبراهيم الحازمي (460/1-463).
قال الشيخ بكر أبو زيد - رحمه الله:
"هو حقيقة جبل السنة، ورجل الجماعة، وهو أيضًا حامي حمى السلف، وأثره كبير، فرحم الله شيخنا، وأسكنه فسيح جناته، من أهم أعماله - رحمه الله - أنه منذ أن بدأ عمله حتى وفاته يوم الخميس لم يتوقف يومًا واحدًا عن العمل، حتى خلال مرضه بالمستشفى، كان يستمع لمشاكل المسلمين، ويتلقى اتصالات هاتفية وهو على سريره؛ ليُرشد المسلمين في أمور دنياهم، ولم يبخل على المسلمين، حتى في اللحظات الأخيرة من عمره تلقى اتصالات هاتفية، أرشد خلالها وأفتى في أمور الدين". [1]
مجلة الدعوة، عدد (9725)، بواسطة: إمام العصر، لناصر الزهراني (162)، رثاء الأنام لفقيد الإسلام، لإبراهيم المحمود (25).
قال فضيلة الشيخ عبدالله بن سليمان المنيع:
"إن الحديث عن سماحة شيخنا الجليل تنشرح له الصدور، وتتفتح له النفوس، ويحلو بذكره اللسان، فقد كان لي مع سماحته أكثر من علاقة، أهمها وأحلاها علاقتي به شيخًا كريمًا، لقد درستُ على يد سماحته في المراحل الدراسية الثلاث: الثانوية، والجامعية، والدراسات العليا في المعهد العالي للقضاء، فاستفدتُ من علمه الغزير، وفقهه الواسع، وأدبه الجم في التعليم والتعلم، الشيء الذي أعتزّ بتحصيله من سماحته.
وعملتُ مع سماحته وتحت رئاسته في الرئاسة العامة للإفتاء والبحوث والدعوة والإرشاد، فكنت نائبًا عامًّا لسماحته في الرئاسة لمدة عامين، وقد كنتُ قبل ذلك عضوًا في اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء تحت رئاسته، ثم تشرفتُ بالعمل مع سماحته في هيئة كبار العلماء، فكان - رحمه الله - نعم الشيخ معلمًا وموجّهًا وناصحًا وحريصًا على الاهتمام والعناية بطلابه، فلقد أخذنا عنه - رحمه الله - العناية بالدقة في إصدار القرار: الحكم أو الفتوى أو الرأي، وأخذنا عنه المرونة في النقاش وتبادل الآراء، والوقوف عند الحقيقة، والبعد عن التعصب للرأي، حيث كان - رحمه الله - يُقرر رجوعه إلى رأي الأكثرية من زملائه وإخوانه وأبنائه في بحث أمرٍ يكون له فيه رأي مخالف، فيرجع ويقول: "اللهم اهدنا فيمَن هديت"، وذلك حينما يظهر له رجحان الرأي المخالف له.
وكان - رحمه الله - نِعم الرئيس في العمل: نصحًا، ورأفةً، ورحمةً، وتقديرًا لزملائه وتابعيه في العمل، ويرعى حقوقهم، ويحترم مشاعرهم، ويُقدِّر جهودَهم، ويكره الحديثَ فيهم وعنهم مما يكرهون، وقد قال لبعض الناس حينما كان يتحدث في حقِّ موظفٍ تابع له: "اتركوا لي عمالي"، ولا يألو جهدًا في سبيل تحقيق مصلحةٍ لأحد موظفيه إذا كانت لا تتعارض مع المصلحة العامة.
وكان - رحمه الله - نعم المشارك في المسائل والبحوث العلمية، فبالرغم من جلالة قدره، ورفعة مكانته العلمية، وإقرار الجميع بفضله وفقهه وغزارة حصيلته العلمية، فهو لا يتعصب لرأي إذا كانت المسألة موضوع البحث مما للاجتهاد فيها مجال، ويُحب أن يسمع الرأي في المسألة من كل مشتركٍ معه في البحث من غير تفريقٍ بين كبير وصغير، ولكنه حينما يظهر له فيها رأي يعتقده فهو يتمسَّك به، ولا يرجع عنه إلا بمبرر شرعي ظاهر.
وقد ضرب - رحمه الله - رقمًا قياسيًّا في كرم النفس وكرم المال لم يُجاره في ذلك أحد من العلماء المعاصرين فيما علمنا.
ولقد ذكر لي أحد المختصين بشؤون نفقات بيته أن نفقاته اليومية تتجاوز الألفي ريـال، ولهذا ما من عام ينصرم إلا وعليه ديون، والحكومة - أعزها الله - تُدرك ذلك من سماحته، فتقوم بسداد ديونه؛ لأنها تعرف أنه وجهٌ مُضيء للبلاد في كرمه وخلقه وعلمه ونصحه وتقواه، وإجماع الناس على تقديره وحبّه.
وهو - رحمه الله - إنسان يتمتع بصفات الإنسان الفاضل من حيث نظراته إلى بني جنسه، بغض النظر عن العرق والجنس واللون، فهو يُحب الإنسان من حيث هو إنسان، يرى فيه عوامل إكرام الله إياه، فيأمل من كل إنسانٍ أن يُدرك حكمة وجوده في هذه الحياة، فيعرف قدر حقّ ربه عليه؛ ليكون من هذه المعرفة قادرًا على تحصيل أسباب السعادة في الدنيا والآخرة.
فهو - رحمه الله - لا يألو جهدًا في سبيل مناصحة أي إنسانٍ على أن يسلك الصراط المستقيم؛ ليكون بذلك لبنةً صالحةً لبناء المجتمع الإسلامي النبيل.
ولقد تقلّد القضاء - رحمه الله - في آخر شبابه ومستهل كهولته، فكان نعم القاضي العادل، ونعم القاضي العالم، ونعم القاضي المرضي، فما من حكمٍ يصدر من سماحته في قضائه إلا هو موضع التسليم والرضى والقناعة من طرفي الخصومة، لما يتمتع به - رحمه الله - من القبول لدى الجميع، والقناعة به من الجميع، والاطمئنان إلى ما يحكم به من الجميع". [1]
مجلة الدعوة، عدد (9725)، بواسطة: الإنجاز في ترجمة الإمام عبدالعزيز بن باز، لعبدالرحمن الرحمة (295-297)، سيرة وحياة الشيخ ابن باز، لإبراهيم الحازمي (472/1-475).
قال الدكتور أحمد عمر هاشم - رئيس جامعة الأزهر السابق:
"لقد كان المغفور له الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - كهفًا لذوي الحاجات، ومأوى للفقراء والمساكين، وكنزًا من كنوز العلم، يحفظ أحاديث رسول الله ﷺ بأسانيدها، ويعلم درجات الأحاديث، كما كان - رحمه الله - صائب النظرة، ثابت الخطى.
إننا إذ ندعو له بأن ينزله الله منازل الصديقين لنعزي أنفسنا بالصبر الجميل، والاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله المصطفى ﷺ والأمل الكبير من الله أن يُعوّض المملكة والأمة الإسلامية مثل هذا العالم الفذّ، والداعية الإسلامي العظيم.
رحم الله الفقيد رحمةً واسعةً، وعزاؤنا الجميل لعاهل المملكة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز والشعب السعودي كله، اللهم اغفر له وارحمه وعوّضنا خيرًا فيه". [1]
جريدة اليوم، عدد (9465)، بواسطة: رثاء الأنام لفقيد الإسلام، لإبراهيم المحمود (81،80).
قال فضيلة الشيخ عطية محمد سالم، أحد تلاميذ الشيخ ابن باز والقاضي السابق بالمحكمة الشرعية والمدرس السابق بالمسجد النبوي - رحمه الله:
"لقد فقدتُ أبي بفقد هذا العالم الجليل، وفقدتُ أستاذًا أفخر وأعتزّ بتتلمذي على يديه، وفقد عالمنا الإسلامي دعامةً قويةً من دعائم الدعوة والإرشاد والإفتاء والعلم، وركنًا من الأركان القوية في التعليم الديني.
لقد كان سماحة العلامة الوالد الشيخ عبدالعزيز بن باز رجل علم، وكان إنسانًا قويًّا، ثاقب الرأي، عميق الرؤية، بعيد النظر، قويًّا في الحق، رحيمًا، رفيقًا، رقيقًا في المواقف التي تستحق الرحمة، وكان حليمًا، ولكنه يشتد غضبه إذا تجاوز أحد حدًّا من حدود الله، وأساء إلى الدين الإسلامي الحنيف بقصدٍ". [1]
وقال أيضًا: "هذا الشخص ليس كغيره، فالشيخ عبدالعزيز بن باز يُعطي عطاءً وافرًا في العلم والمال وحُسن الخلق والمساعدة، فكان يعيش لغيره أكثر مما يعيش لنفسه، وقد هزَّ حدثُ وفاته العالم الإسلامي؛ لأنه كان ذا صلةٍ وثيقةٍ بهذا العالم في مسيرته الحياتية، سواء الشخصية أم الاعتبارية المعنوية، ففي شخصيته مكارم الأخلاق، والمروءة، والسماحة، وبذل الجهد لكلٍّ فيما يستطيعه، بل ما لم يكن يستطيعه كان يبذل جاهه عند الآخرين لتيسير حاجاتهم.
كان الشيخ ابن باز رجلًا عالميًّا، ولو أن أصحاب الجوائز العامة - كنوبل وغيره - يُقدرون النواحي العلمية الدينية لكان هو على القمة وفي الأوائل.
سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز كان كما يُقال: أمة، أي أمة! في ذاته وتصرفاته وأعماله ومقاصده وإنتاجه، فكما ذكرت الأسئلة كان رئيسًا لعدة جهات، كل جهة تحتاج رئاسةً مستقلةً، وكانت تمشي تحت رئاسته بكل نظام، وبكل احترام، وبكل توفيق.
أما لماذا أحبَّ الناسُ ابنَ باز إلى هذا الحد: فقد يُجيب عن هذا ما قاله أحد العلماء حينما ذكر أن أسباب المحبة أربعة: جلب نفع، ودفع ضر، وحسن خلقة، وحسن خلق.
فأما جلب النفع: فكان متوفرًا في الشيخ ابن باز أكثر من غيره إلى حدٍّ بعيدٍ؛ لأنه ما قصده إنسانٌ في سعيه إلى خيرٍ يحصله إلا وجد عنده المساعدة في شخصه، أو بواسطته، وكذلك دفع الشر في شفاعته.
أما حسن الخلق: فهو - كما نرى - إنسان سوي، كريم الأخلاق، واسع الصدر، حليم، وحسن الخلقة بقدر ما نتحدث عنه فلن نستوعب كمال هذا الحسن في هذا الخلق.
ومن طول معاشرتي إياه لم أسمع منه لفظًا نابيًّا، ولم أرَ وجه ابن باز يومًا عابسًا، ولم أره حَنِقًا، إنما هو مثال الهدوء، ومثال الحلم والتروي والإحسان إلى الغير، ومدّ يد المساعدة، وكل ما يدخل في تصانيف مكارم الأخلاق كنت تجده في هذا الرجل". [2]
سيرة وحياة الشيخ ابن باز، لإبراهيم الحازمي (475/1).
مجلة اليمامة، عدد (1557)، بواسطة: رثاء الأنام لفقيد الإسلام، لإبراهيم المحمود (72،71).
قال الدكتور صالح العبود - مدير الجامعة الإسلامية بالمدينة:
"إننا مؤمنون بقضاء الله وقدره، إلا أننا على فراق سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز محزونون، فقد فقدنا بفقده رجلَ علمٍ ودينٍ، حريصًا على مصلحة الأمة ورفعة دينها، قويًّا في الحق، لا تأخذه في الحقِّ لومة لائم، سخيًّا في العطاء العلمي، والبذل المادي، والدعوة وسبل نشرها". [1]
مجلة الدعوة، عدد (1692)، بواسطة: رثاء الأنام لفقيد الإسلام، لإبراهيم المحمود (93،92).
قال فضيلة الشيخ حسين بن عبدالعزيز آل الشيخ - إمام وخطيب المسجد النبوي:
"قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا [الرعد:41]، قال بعض المفسرين: إنه موت العلماء، ولذا تُصاب الأمة بموت علمائها وكبرائها.
ولقد أُصيبت الأمة الإسلامية بفاجعةٍ بالغةٍ؛ إنها مصيبة موت عالم هو أبرز علمائها في هذا العصر، إنه سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، الذي عاش حياته لدين الإسلام معلمًا ومربيًا، قدوةً وإمامًا وداعيًا، لقد عاش سماحة الشيخ حياةً مليئةً بخدمة دينه وأمته، معلمًا للخير، داعيًا إلى الهدى، مساعدًا للمحتاج، مواسيًا الفقير، مُعينًا على الخير، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، صدَّاعًا بكلمة الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، مهتمًّا بأوضاع المسلمين في كل مكان، ناشرًا دين الله في كل قطرٍ بقدر الاستطاعة والجهد، إنه في العلم بحرٌ لا ساحل له، وفي الكرم جوادٌ لا يُجارى، وفي البذل مقدِّمًا سخيًّا.
عاش الشيخ حياته رمزًا للسنة النبوية، وإمامًا من أهل السنة والجماعة، فرحم الله الشيخ، وعوَّض أمته خيرًا، وجبرها في مُصابها". [1]
سيرة وحياة الشيخ ابن باز، لإبراهيم الحازمي (486،485/1)، رثاء الأنام لفقيد الإسلام، لإبراهيم المحمود (95،94).
قال الشيخ عمر بن محمد السبيل، إمام وخطيب المسجد الحرام السابق - رحمه الله:
"فقدت الأمةُ عالمها، وإمام أهل السنة والجماعة في هذا العصر، وشيخ الإسلام، ومفتي الأنام، وفقيه الزمان، المصلح العظيم، المجاهد الكبير في سبيل الحق والدين.
وقد امتاز بالكثير من الخصال الحميدة التي خصَّه الله بها؛ من حبِّه لطلبة العلم والعلماء، والفقراء والمساكين، وحرصه على قضاء حوائج الناس". [1]
سيرة وحياة الشيخ ابن باز، لإبراهيم الحازمي (487/1).